الجديد

الجزيرة الاخبارية

الجمعة، 23 أغسطس 2013

الأمازيغ وتاريخ المغرب



الأمازيغ وتاريخ المغرب



الأمازيع لم يكتبوا تاريخهم، وتظل وجهة نظرهم غائبة في الروايات والكتابات التي تناولت تاريخ شمال إفريقيا منذ العصر القديم إلى الزمن الراهن. هذا هو العامل الكبير الذي أفضى إلى تحريف الحقائق وتعميم المغالطات حول العديد من الوقائع والمجريات، وحول مساهمات الأمازيغ ووجودهم التاريخي وتنظيماتهم السياسية والاجتماعية، وأدوارهم وحضورهم في سيرورة الأحداث والتحولات التي عرفتها شمال إفريقيا على امتداد أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنا. ونتيجة لهذا الغياب، ولعدم مساهمة الأمازيع في تسجيل التاريخ الذي صنعوه وعاشوه، أو ربما ضياع كتاباتهم بعد إتلاف خزانة قرطاج، فقد بقيت شهادة الماضي محصورة في ما وصل من مكتوب الوافدين أو الأجانب، الذين احتكروا رواية الوقائع بالشكل الذي لا يخفى تحيزه بما يعلي وجهة نظرهم، ويعظم شأنهم ويخدم مصالحهم.
وقد كان أولائك "الأهل" الشهود هم الكتبة من المصريين القدماء، ومن اليونان والفينيقيين والرومان والوندال والبيزنطيين والعرب والفرنسيين والأسبان، أما المشهود على أمرهم، فلو لم يزل بعضهم أو جلهم يحمل ورقة تعريفه، لأيقنا أنهم اندثروا منذ زمان، وصاروا جميعا خبر كان. ورقة تعريف الأمازيغي في وقتنا الحاضر، هي قدرته على الإفصاح بلغة "الزاي"، أو تعاطفه معها، أو عدم تنكره للأجداد .
وسواء تعلق الأمر بالمعطيات التاريخية الواردة في كتابات الإخباريين والكتبة منذ التاريخ القديم، أو تعلق الأمر بالتاريخ الرسمي الذي تألف على امتداد سيرورة تأسيس وسقوط الدول والسلالات التي تعاقبت على أرض المغرب، فإن التاريخ الذي كتبه المنتصرون ومؤرخو السلطة وكتبة الحكام ظل منحصرا في أنشطة هذه الفئات وأنظمتها السياسية والأحداث التي تهمها، ولم يهتم بالوقائع والقضايا التي ميزت عمق التاريخ الاجتماعي أو التي جرت على هامش نفوذ السلطات المركزية وتحركات أمرائها وقوادها. فالتاريخ، كما كتب علي صدقي أزيكو ، لا ينحصر في الأنشطة الرسمية التي ليست في حقيقة الأمر إلا انعكاسا باهتا لتاريخ تجري أحداثه خارج الميادين المفضلة لدى الإخباريين.
فكل هذه الأحداث والأزمنة المضيئة من تاريخ المغرب همشت في التاريخ الرسمي، والمدرسي بالخصوص، وتم التركيز والإعلاء من شأن المؤثرات الخارجية والشعوب الوافدة على المنطقة المغاربية، كالفينيقيين والوندال...، بشكل يعكس خيارا معرفيا وتاريخانيا واضحا، ينتقص من تاريخ ودور العنصر المحلي في صناعة الأحداث والتحولات التي عرفها مجاله، والتعتيم على مساهمته في حضارات الحوض المتوسط. بل إن هذا التناول الانتقائي للتاريخ، يذهب إلى أن المغرب دخل التاريخ على يد الفينيقيين، رغم أن مرحلة وجودهم وتأثيرهم لم تكن سوى مرحلة للتعامل التجاري، لم تعرف استقرارا ولا يمكن أن تشكل عصرا أو بداية للتاريخ. ويتجاهل التاريخ الرسمي كون الأمازيغ كانت لهم علاقات مع حضارات أخرى من قبل، وكانوا يملكون أبجديتهم تيفيناغ التي أكدت الدراسات الأركيولوجية عراقتها أكثر من الفينيقية، إضافة إلى أن الأمازيغ تمكنوا من حكم مصر على يد الملك شيشونق الأول منذ سنة 929 ق.م، ولأكثر من قرنين من الزمن، مما يؤكد دخولهم عصر التاريخ قبل نزول الفنيقيين على سواحل بلادهم.
أليست هذه الأحداث والأزمنة المجيدة من تاريخ المغرب القديم مثار افتخار واعتزاز، من شأنه أن يعزز معرفة المغاربة بتاريخهم وسيرورة بناء حضارتهم، ويسمو بالذاكرة والوجدان الفردي والجماعي والانتماء الحضاري الوطني؟
دخول الإسلام وأسطورة "الفتح السندبادي"
لم يكن دخول العرب إلى المغرب دخولا سندباديا عبر رحلة بساطية، كما تحاول روايات التاريخ الرسمي والمدرسي تقديم ذلك. بل كان هذا الدخول، وباستحضار غايته المعلنة والفعلية، دخولا عنيفا، اتسم بالمواجهة والمقاومة وطول المدة التي استغرقها والتي وصلت إلى حوالي 68 سنة. ورغم أن هذه الأحداث تمت في أوج قوة الأمويين، فقد كانت المقاومة الأمازيغية قوية بسبب وجود تجمعات أمازيغية قوية، تلك التي تزعمها كوسيلا أمير أوربة، والتي قادتها أميرة الأوراس تيهيا، وبسبب سلوك خلفاء وقواد الأمويين المتعصبين لعرقهم والمحتقرين لأهالي البلاد التي غزوها، حيث تمادوا في جمع الغنائم والسبايا وإرسالها إلى الشرق لإرضاء ولاة الأمر، مما أثار مواجهات عنيفة، وزاد من مقاومة الإمارات الأمازيغية للجيوش العربية.
يقدم التاريخ الرسمي دخول الأمويين وكأنه مقرون بقوة ميتافيزيقية استرضت الإنسان والأرض، وامتلكتهم دون عنف ولا مقاومة، مقصيا من روايته كل الأحداث والمواجهات التي شهدتها هذه المرحلة الشائكة من تاريخ المغرب. بل إن الرواية الرسمية لم تكتف بالتعتيم عن مظاهر ووقائع العنف والغزو والاستبداد الأموي التي واجهها الامازيغ بقوة، بل حاولت إضفاء طابع أسطوري على عملية دخول الأمويين، وإقرانها بالفتح الإسلامي فقط، بالشكل الذي يحجب حقيقة صراع السلطة وإخضاع المغرب لنفوذ ولاة وقواد المشرق. فنعلم مع عبد الله العروي بأن مسألة الفتح كانت منذ البداية سياسية أكثر منها دينية: أي كيف سيحكم العرب المغرب وليس كيف سيعبد المغاربة خالقهم... ولا شك أن إسلام "البربر" في آخر المطاف لم يعد أن يكون اعترافا بسيادة الخليفة.
وقد ارتبطت أسطرة الأحداث بتعظيم شخصية القائد، وكان عقبة بن نافع هو الاسم الذي حظي بالنصيب الأوفر من ذلك، ككبير القواد الفاتحين، رغم أن تأكيد حملته على المغرب الأقصى يبقى دون سند، كما ذهب إلى ذلك عبد الله العروي الذي أكد أن حملة عقبة لم تتجاوز نواحي تلمسان ووهران . وقد يكون الهدف من هذا التقديس الذي أحيطت به شخصية عقبة في التاريخ الرسمي، والإشادة بأعماله الحقيقية وغير الحقيقية، هو تعظيمه والتغطية على الوقائع الميدانية كحملة الاسترقاق الجماعي التي قادتها جيوش الأمويين.
إضافة إلى الصورة التاريخية الرسمية التي اقترن بها اسم عقبة، يمكن أيضا إثارة اسم موسى بن نصير وطارق بن زياد. فباستثناء الخطبة الشهيرة التي اقترن بها اسم هذا الأخير أثناء فتح الأندلس، والتي تتضارب الآراء حولها خاصة أنه القائد الأمازيغي الذي تفيد بعض المصادر بأنه لم يكن يتقن العربية بتلك الدرجة، فإن مصير طارق ومكان تواجد قبره يبقى الحلقة المفقودة من هذه الرواية التي لا يخفى بعدها وارتباطها الوطيد بأهداف وخفايا الخلافة الأموية وصراعاتها الداخلية.
وامتدادا لنفس الخيار الإيديولوجي، تسعى الرواية الرسمية في تناولها لمختلف الأحداث التي ميزت تعاقب الدول والصراعات والأحداث، إلى الإيحاء بنوع من الاندماج المجتمعي والانتصار العارم والدائم للسطلة المركزية، والتقليل من شأن الوقائع والردود التي عرفتها المناطق المستعصية، ومنها حقيقة الصراع الكبير الذي طبع علاقة الدول والأنظمة المركزية والجماعات الوافدة مع سكان المناطق الممتدة على أنحاء البلاد، وأنماط تنظيمهم السياسي المحلي ووجودهم الاجتماعي.
فهذا التاريخ الذي يحدوه "مكر العقل الشمولي"، وبغضه الطرف عن وقائع الأزمة والصراع التي طبعت علاقة المراكز الحاكمة بالهوامش المقاومة أو المستعصية، فهو يسعى إلى تقديم صورة البلاد المندمجة والسلطة القوية التي تملك الحق وشرعية السيطرة والتنظيم وامتلاك الأرض والإنسان، وإخضاع الجميع لنفوذها الإداري والقضائي. ومن هذا المنظور، يسقط التاريخ الرسمي من حسابه ما يسميه صدقي أزايكو باللازمة العميقة المحركة لتاريخ المغرب وشمال إفريقيا منذ أن استقر بهما الإسلام، وهي تدافع الأحداث والوقائع، وتضارب الآراء والمواقف، وتصارع الجماعات والدول، وتنافس اللغات والثقافات والمؤسسات المختلفة.
البورغواطيون، ومشروع "أمزغة الإسلام"
بورغواطة، اسم لم يظهر إلى فضاء التداول التاريخي إلا مؤخرا، رغم أنه يحمل دلالة وقيمة سياسية ودينية هامة في تاريخ المغرب. فهو اسم الإمارة الأمازيغية التي نشأت على الساحل الأطلسي على امتداد الشريط الرابط بين مدينتي أسفي وسلا عبر منطقة تامسنا، والتي استمر حكمها حوالي أربعة قرون.
فقد تأسست دولة بورغواطة من تحالف مجموعة من قبائل مصمودة بعد دخولها الإسلام وثورتها على استبداد الخلافة الأموية وقوادها الارستقراطيين الذين احتقروا الأمازيغ، ووظفوا الدين كوسيلة للإخضاع وطاعة الحكام، وهذا ما يفسر حضور البعد الخوارجي في الفكر والبناء السياسي لإمارة بورغواطة الأمازيغية التي استطاعت أن تصمد أمام هجومات الفاطميين وإمبراطورية المرابطين، إلى أن استولى عليها الموحدون سنة 1058م، وأقدموا على توطين بعض الهجرات العربية ببلاد تامسنا.
وبما أنه لا توجد، في حدود علمنا، كتابات ووثائق مفصلة عن تاريخ هذه الدولة التي كانت عرضة للتعتيم، فإن الخيار الذي أقدم عليه البورغواطيون في "أمزغة" الإسلام، وترجمة القرآن الكريم إلى الأمازيغية، يتم تحريفه في بعض الروايات بما يخدم خيارات السلطة السياسية وسعيها إلى تكريس النموذج الإيديولوجي "للعروبة والإسلام".
كما أن الحضور "الخوارجي" في المغرب يظل خارج الرواية الرسمية والتاريخ المدرس، رغم الأهمية المعرفية والتاريخية التي تحظى بها مثل هذه الأحداث والثورات وإمكانية الاستفادة من سياقها وأبعادها. فقد ظهرت الثورة الخارجية الأمازيغية بزعامة مسيرة المطغري ثم خالد بن حميد الزناتي حوالي 122هـ، كامتداد للمعارضة التي واجهت جيوش الأمويين، وقد كانت ثورة ضد الحكم العربي، كما كتب محمود إسماعيل .
تحريف أنساب الأعلام الأمازيغ
تفصح كتابات العديد من المؤرخين والكتبة المشارقة والأندلسيين عن نزوع عرقي واضح، من خلال تزييفهم للحقائق واحتقار العنصر الأمازيغي، والتحامل على تاريخه وأعلامه، فنسبوا كل المآسي والأحداث غير المرغوب فيها إلى "البربر" الذين يعتبرونهم مصدر مصائبهم وهزائمهم باستمرار.
فنجد مثلا، صاحب "تاريخ الإسلام" ينسب كل الهزائم والإخفاقات التي حلت بالعرب إلى "شر البربر"، عند تعليقه على نزاع الحكم بالأندلس، ومحمد رشيد رضا يرجح في كتابه "الخلافة والإمامة العظمى" الرأي القائل بأن سبب توقف الجيش الإسلامي في جنوبي فرنسا راجع إلى كون أكثر الجنود "بربرا" ...
هذا النزوع العرقي في الكتابة التاريخية لم يكن يسمح لهؤلاء الكتبة بتصور تفوق الأمازيغ وبروز أعلام من بينهم، مما يفسر محاولتهم تزييف نسب هؤلاء أو التقليل من شأنهم. وقد حاول بعضهم تحريف نسب ابن خلدون وتأكيد عروبته، رغم استيائهم من إدانته للعرب ومحاباته للأمازيغ!
وقبل الفترة الحديثة، فالعديد من الأمراء والكتاب الأمازيغ، كانوا يكتبون باللغة اللاتينية، ومنهم من تجاهلت بعض الآثار والكتابات الواردة من تلك المرحلة، أو التي تناولتها، أصولهم الأمازيغية ونسبتهم إلى الرومان أو الإغريق، ومنهم سان أغسطين، أفولاي، ويوبا الثاني الذي نبغ في الفلسفة والأدب واللغة حتى أن الأثينيين نصبوا له تمثالا في أحد مراكزهم الثقافية تقديرا لكفاءته الفكرية.
الريف بين المقاومة والجمهورية
نتيجة للتعتيم الذي خيم على مختلف الأحداث التي عرفتها منطقة الريف بشمال المغرب منذ أوائل القرن العشرين، ظهرت خلال السنوات الأخيرة عدة مبادرات على مستوى البحث والكتابة حاولت إثارة التاريخ المحلي للريف، والوقوف عند العديد من الوقائع الهامة التي كان هذا المجال مسرحا لها. وقد اهتمت هذه الكتابات بالأحداث والتدخلات العسكرية التي عرفها الريف منذ إعلان الجمهورية الريفية سنة 1921، وتاريخ المقاومة المحلية للاستعمار الاسباني وعنف المواجهات التي انتهت بحرب الغازات الإبادية، مرورا بالسنوات الموالية لاتفاقية إيكس ليبان وما عرفته سنتا 1957و1958 من أحداث وهجوم على المنطقة قصد إخضاعها، وحدث اغتيال عباس مساعدي بعد محاولة عزله من مسؤولية قيادة جيش التحرير ووقف المقاومة المستمرة، وملابسات هذا الاغتيال الذي تورط فيه بعض أعضاء الحركة الوطنية، حسب مضمون بعض هذه الشهادات والكتابات.
تنضاف إلى هذه السيرورة، أحداث فبراير 1957 التي تعرضت خلالها القرى والجبال الريفية لقصف جوي مكثف لسحق انتفاضتها، بمشاركة الملك الراحل الحسن الثاني والجنيرال أوفقير، وانتهاء بواقع التهميش والعقاب الجماعي الذي تعرضت له المنطقة على امتداد عشرات السنين، مما كرس جو التوتر والصراع الذي تخللته أحداث أخرى كما وقع سنة 1984، إلى حدود مشروع المصالحة وجبر الضرر الجماعي اليوم.
فجل هذه الإصدارات تعكس حسا نضاليا يروم استجلاء الحقائق، كما يتضح من مدلول عناوينها التي تمجد الأحداث وتشيد بالمقاومة وتقرنها بالدم والحصار والملاحم والمنسي والمهمش والاحتراق... وقد أفصح بعضها على أن الريف كان ضحية القمع والتآمر والتقاء مصالح الأطراف التي حكمها سياق تأسيس الدولة المركزية، ومصلحة الملكية وحزب الاستقلال.
وتستبعد بعض الروايات البعد الانفصالي لثورات وانتفاضات الريف، واعتبرت إعلان الجمهورية الريفية التي كانت عاصمتها هي أجدير، مجرد تكتيك سياسي لعبد الكريم الخطابي من أجل كسب تأييد فرنسا والأحزاب الشيوعية والقومية الأوروبية والعربية، رغم أن بيان الجمهورية تضمن في بنده الأول إعلان الريف دولة مستقلة، إضافة إلى القطيعة التي تفصل جيش التحرير الريفي عن أعضاء "الحركة الوطنية"، وتعبير الأمير عبد الكريم الخطابي عن مشروع توسيع المجال الجمهوري سنة 1925، مما استعجل قيام فرنسا واسبانيا بهجوم مشترك لإسقاط جمهورية الريف.
عدي وبيهي ومأساة الأطلس المتوسط والجنوب الشرقي
مسقط رأس عدي وبيهي هو قرية "كراندو" بالقرب من مركز "الريش" وبمحاذاة قرية "تيجان" التي شيد بها معتقل تازممارت الشهير. وقد ارتبط اسمه بالأحداث التي عرفها الأطلس المتوسط والجنوب الشرقي خلال السنوات الموالية لاتفاقية إيكس ليبان، واستقلال المغرب. فقد كان عدي وبيهي حينها يشغل منصب عامل إقليم تافيلالت، وتزعم ثورة ضد الحكم وزعماء الحركة الوطنية الذين عملوا على عزله من منصبه والحكم عليه بالسجن ثم الإعدام، هو الذي كانت تربطه علاقة ولاء مع الملك محمد الخامس كما أكدت ذلك عدة مصادر وشهادات، ورغم مساندته من طرف لحسن اليوسي الذي كان حينها يشغل منصب وزير التاج!
فقد أكد عبد الهادي بوطالب في شهادته أن السبب الرئيسي في قمع عدي وبيهي سنة 1957 هو غضب حزب الاستقلال عليه لأنه لم يكن يسمح لأعضائه بالقيام بأنشطة حزبية في إقليمه. وفي جوابه حول سؤال رغبة عدي وبيهي في إقامة جمهورية أمازيغية بالأطلس المتوسط، أجاب بوطالب بأن هذا غير صحيح (...) وأكد أن سعي حزب الاستقلال إلى الاستئثار بالحكم والسلطة والولاة والوزراء، هو ما أثار لدى رجال القبائل حزازات ومخاوف، مما كان يدفعهم إلى مناهضة الحكومة. وقد امتدت هذه الرغبة في الهيمنة والاستفراد بالسلطة والحكم إلى مواجهة خيار التعددية السياسية واعتقال بعض ممثلي القبائل والمناطق القروية الأمازيغية سنة 1958.
لم يكن حدث قمع وسجن وإعدام عدي وبيهي نهاية مأساة الجنوب الشرقي، بل استمرت معاناة هذه المنطقة في شكل عقاب جماعي بعد أن شيد بها معتقل تازممارت، وعزل المنطقة عن محيطها بما يخدم التصور الأمني والتعتيمي للمعتقل، مما سبب في استباحة كرامة الأمازيغ وأعراضهم من طرف الجنود والمتدرعين بحساسية الموقع والمجال لممارسة الهيمنة والإذلال.
مقاومة الأمازيع وهيمنة الحركة الوطنية
أيت عبلا، وتفراوت، وأيت بعمران، وبوكافر، وزيان...، وغيرها من المناطق الأمازيغية التي شهدت أهم أحداث المقاومة والتصدي للاستعمارين الفرنسي والاسباني، لم تحظ في تاريخ المقاومة الرسمي سوى بحضور هامشي، بشكل يعكس مدى الانتقائية والهيمنة الإيديولوجية التي تتحكم في رواية التاريخ الوطني.
فانتصارات عسو بسلام، ومقاومة هذا الأمازيغي من أبناء بوكافر في قمم جبل صغرو، ومقاومة عبد الله أزكور في جبال تلوين وقمم أيت عبلا، لم تنل حظها في هذا التاريخ الذي تحتله أنشطة ووقائع رسمية أقل شأنا مما صنعه الأمازيغ. فعلى امتداد سنة 1933 قاد عسو انتفاضة قبائل أيت عطا ضد الزحف الفرنسي، واستطاعوا أن يكبدوا فرنسا خسائر كبرى في الضباط والجنود رغم قوة العتاد واستعمال الطيران لقصف المخابئ الجبلية وضرب الحصار على السكان البسطاء وحملهم على الاستسلام. كما قاوم أزاكور وثوار الأطلس الصغير زحف الاستعمار الفرنسي ومنعوه من اقتحام مواقعهم على امتداد عدة سنوات.
موحى وحمو قاد بدوره انتفاضة ومقاومة قبائل زيان ابتداء من سنة 1914، وحقق انتصارات هامة في معركة الهري قرب خنيفرة، وآخر استعمار الأطلس المتوسط والجنوب الشرقي إلى سنة 1921. أما أيت عبلا بإقليم تارودانت، وأيت بعمران بنواحي تزنيت، فقد شهدت أكبر الأحداث التي جسدت صمود وقوة المقاومة، حيث انتفض أيت بعمران ضد الأسبان على امتداد سنوات الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، رغم محاولة استمالتهم بقانون التجنيس، كما كانت منطقة أيت عبلا بقيادة الثائر عبد الله أزكور القلعة الجبلية التي استطاعت أن تقاوم ترسانة الجنود والعتاد الفرنسي، لتكون آخر نقطة دخلها الإستعمار الفرنسي في المغرب.
فجل هذه الأسماء والمناطق التي صنعت بطولات المقاومة وجيش التحرير والمقاومة الجبلية الأمازيغية، لا تزال على هامش التاريخ الوطني الذي هيمنت عليه المدن والعائلات المدينية وقيادات الحركة الوطنية.

شهادات مثيرة لمجاهدات جزائريات اغتصبن من طرف المستعمر

سلبت حريتهن .. وشرفهن .. أمام أعين الحركى.. بل أن هؤلاء كانوا جزءا من الجريمة .. الجريمة التي ترفض وتصر فرنسا على رفض الاعتذار .. هن جزائريات مجاهدات وقعن ضحية (قضية شرف) أصبحت جزءا من الماضي

مجاهدات اغتصبن في السجون: وقائع اغتصابنا كانت أكثر ألما من صور سجن أبو غريب


لكن ألم الذكرى لا يزال هاجسا مرا ولو مرت 46 سنة من الاستقلال .. الشروق تنقل شهادات مثيرة من نساء باع الحركى أجسادهن بثمن بخص للجنود الفرنسيين.
خاطت أكثر من 1000 علم وطني في الخامس من جويلية عام 1962، كان عمرها وقتئذ لم يتجاوز 20 ربيعا .. هي (السيدة حفصة.م) لم تشارك شقيقات جميلة بوحيرد مواجهة المستعمر إبان الثورة التحريرية، لكن نقمة الاستعمار طالتها حتى وهي في بيتها. بصعوبة كبيرة أقنعناها بالبوح عن سر ألم الماضي .. كيف أخرجت بالقوة من بيت والدها المجاهد في أعالي منطقة القبائل ببلدية (أمشدالة) لتقتاد ذات يوم مساء من شهر مارس عام 1959 إلى مقر الشرطة الفرنسية، كان الجو ماطرا عندما اقتحم أحد الحركى بيتهم مناديا على اسم والدتها في لحظة تقول عنها أنها لن تمحى من ذاكرتها، ثم تضيق قائلة : "قرع مصطفى الحركي للباب الخشبي للمنزل في وقت متأخر دفع والدتي لإخفاء أخي محمد تحت كومة من الخشب اليابس.. معتقدة أنه حان الوقت لجره للمعتقل، بالرغم من أن سن أخي لم يتجاوز عمره 15 سنة، ثم فتحت له الباب ليقول لها "مهما طال غياب زوجك فإن مصيره قادم".
كنت أنا قد رفعت ستار إحدى الغرف لأخبره قائلة "إذا كنت تدري بأن والدي ليس هنا فلماذا تطرق الباب علينا، ألا تخجل من نفسك" .. لحظات لا أكثر يغادر المنزل ليعود بعد صلاة المغرب، نفس صوت دق الباب تتحدث أمي باسم الله الرحمان الرحيم، إنه مصطفى، قررت أن أفتح له الباب وأبزق في وجهه، لكنه هذه المرة لم يكن لوحده، فقد جاء برفقة ثلاثة جنود فرنسيين، قائلا لهم هذه ابنة "بلقاسم" .. تصمت للحظات .. ترتجف يداها وبصوت متقطع وكأني بها ترفض الحديث.. ليقول لي "مصطفى" إذا أردت خلاص أخيك من المعتقل إتبعيني بهدوء .. نظرت إلى والدتي .. راحت تندب وجهها وهي تنادي على أخي الأكبر وعلى اسم والدي "دونكم ليا" .. وفي ساعة متأخرة وجدت نفسي أمام أكثر من أربعة جنود، كان من بينهم الحركي مصطفى .. في البداية راح يسألني عن مكان تواجد أخي الأكبر، وكيف ذهب، كنت في كل مرة أجيب لا أعرف .. لا أعرف .. فجأة راح ينظر إلي قائلا ستعرفين أين هو؟ أخذوني في عربة عسكرية، إعتقدت أنهم سيأخذونني إلى مكان آخر .. لتتوقف العربة في مكان خال أدركت لحظتها أني فريسة للاغتصاب. الساعة كانت قد تجاوزت الواحدة صباحا، عندما أعادوني إلى البيت ــ تنجرف الدموع من عينها في مشهد مثير ــ أدركت لحظتها أنه حتى لو اعتذرت فرنسا فإنه لا يكفي.
حفصة اليوم سيدة متزوجة، وأم لخمسة أولاد، ظلت ليلة الاستقلال تخيط الأعلام الوطنية ولم تنم طيلة اليوم، مثلما لا تزال تتذكر في كل ليلة .. ليلة اغتصبوها.

جنود فرنسيون اختطفوا "مباركة" المعوقة .. إغتصبوها واحتجزوها أسبوعا للمهمة القذرة


رواية أخرى يتحدث عنها عمي مسعود المجاهد صاحب 74 سنة، ربما كان من الصعب جدا أن يتحدث والد عن آلام اغتصاب ابنته بوحشية لا تقارن كما قال لنا بهمجية (الذئاب)، عندما قررت الصعود إلى الجبل للالتحاق بدرب المجاهدين تركت بناتي الخمس تحت مسؤولية أخي محمد، رفقة زوجتي فاطمة، بعدها تم اعتقال أخي وبقي في المعتقل لفترة تزيد عن الشهر، ظلت فيها ابنتي الكبرى زينب تهتم بوالدتها المريضة وشقيقاتها، كان من بينهن "مباركة" عمرها وقتئذ كان 13 سنة .. ذات يوم طرق مجموعة من العساكر الفرنسين باب المنزل للسؤال عني كالعادة، فلمحوا "مباركة المعاقة" .. إختطفوها على مرأى من شقيقاتها، وأنا في الجبل وصلني خبر اختطافها، طلبت من زينب الاتصال بأحد أصدقائي المجاهدين ممن كان يعمل بوابا في أحد المطاعم الفرنسية، وكان مكلفا بنقل أخبار الفرنسيين وتحركاتهم. إختطاف الجنود الفرنسيين لمباركة جاء لكونها بكماء وعرجاء، فهي لا تستطيع المقاومة.. أخبرني صديقي أنهم قاموا باحتجازها في مرآب مظلم تحت الأرض لمدة أسبوع، وكان المرآب ملكا لأحد الفرنسيين المعمرين ممن طلب وقتها حراسة عليه كونه كان تاجر خمور، كانت مباركة محجوزة مع زجاجات الخمر، وكان يلجأ إليها الجنود لاغتصابها بكل وحشية.. يقول عمي مسعود أنه اتجه برفقة 9 مجاهدين حاملين للسلاح لتحرير مباركة، وقمنا باقتناص أحد الحراس، وعثرنا على ابنتي وهي عارية كانت مختبئة وقتها تحت إحدى شاحنات نقل الخمور، لم أجد غير معطفي لسترها .. وقتها تم محاصرتنا، بعربتين عسكريتين ليتم اعتقالنا، وبقينا في السجن إلى غاية هروبي منه، فيما عادت مباركة إلى شقيقاتها ..
المجاهدة الزهرة زوجة مجاهد توفي بعد الثورة .. كانت مكلفة بتحضير وجبات أكل المجاهدين، وبالتجسس على تحركات الحركى تتحدث قائلة: "كنا نضع الطعام تحت الخشب لننقله على ظهور الحمير إلى الجبال، وعندما كان يستوقفنا الجنود الفرنسيون أو الحركى، كنا نتحجج بنقل الخشب للطهي .. مرة استوقف الحركى مسعودة وهي تخبئ الطعام تحت الخشب، استوقفوها وقام أحد الجنود بصفعها ليقول للحركي بعدها باللغة الفرنسية "تملك خدا ناعما .. أريدها".. إرتبك "الحركي" تقول الزهرة .. لكنه في النهاية استسلم لأوامر الجندي واقتادها في وضح النهار جردوها واغتصبوها.. وكانت تلك الحادثة، بداية لصعود مسعودة نحو الجبل كمجاهدة للمشاركة في الثورة .. المجاهدة "مسعودة.م" توفيت مؤخرا بمرض عضال ..

أرشيف الاغتصاب .. الجريمة الصامتة


"لقد هتكوا عرضي واغتصبوني وتحملت اعتداءات بربرية".. هو جزء من تصريحات المجاهدة لويزة إيغيل أحريز، عندما وقفت ذات يوم في إحدى المرافعات ضد الجنرال موريس بتهمة الاغتصاب وانتهاك العرض، لتكون بذلك أول مجاهدة وامرأة تكسر طابو الاغتصاب، في مجمتع يرفض الكشف عن قضايا الشرف حتى لو كانت من جانب المستعمر، كما شكلت تقاليد المجتمع المحافظ وحياء المجاهدات أن يظل الملف بالرغم من وحشيته "جريمة مسكوت عنها".
بتاريخ جوان من عام 2000 أدلت المجاهدة لويزة إيغيل أحريز بتصريحات صحفية لجريدة "لوموند" الفرنسية عن التعذيب والعنف الذي تعرضت إليه على أيادي الفرقة العاشرة للجنود التابعين للجنرال "ماسو" بإحدى الثكنات في الفترة ما بين سبتمبر وديسمبر 1957، وهي التصريحات التي دعمتها فيما بعد في كتابها (جزائرية)، والذي أثار الكثير من الجدل، لتفتح الصحافة جدلا آخر بعد التصريحات التي أدلى بها الجنرال "ماسو" واصفا تصريحات لويزة بالأكاذيب، على إحدى القنوات الفرنسية في السادس من مارس 2002، لتكون الانطلاقة نحو المحكمة العليا الفرنسية.


شهادات لويزة إيغيل عن الاغتصاب

في شهادات دونها التاريخ، تتحدث لويزة إغيل واحدة من بين المجاهدات من فضلت كسر طابو الاغتصاب متحدثة عن ملف ثقيل، سألوها مرة بالقول: هل كان الاغتصاب عملية يعني تحصل بشكل دائم آنذاك من قبل الفرنسيين أم أنك الوحيدة التي تعرضت لهذا النوع من التعذيب؟ لتجيب قائلة: لا أبدا إن الاغتصاب كان قائما، لكن أحدا لم يتحدث عنه من مفهوم الاحترام .. بعد اغتصابي سألتني أمي .. هل اغتصبوكِ؟ لقد وجدت هذا رهيبا، وفي النهاية قبلت بسؤالها هذا، فهي أمي مع كل الممنوعات والمحرمات والتقاليد. كنت في حالة نفسية محطمة وأمي تهتم بذلك هذا صعب للغاية، فأولا كان يجب عدم الكلام عن هذا.. بعدها .. قلت لها نعم".
لم يكن سهلا على مجاهدات الثورة الجزائر رفع الستار عن حوادث الاغتصاب .. لأن الأمر يتعلق بقضية شرف .. الشرف الذي وإن كانت فيه المرأة الجزائرية ضحية، ولكنه كان ولا يزال حتى بعد 46 سنة عارا وفضيحة، وإن كان السبب فيه وحش فرنسي. المجاهدة لويزة إغيل أحريز فعلت خلافا للكثير من المناضلات الجزائريات الأخريات اللواتي فضلن دفن السر مع الكثير من صور العذاب، لتنقل قضيتها أمام الرأي العام، "لأستطيع ولو لمرة واحدة منذ اعتقالي أن أغلق عيناي وأن أنام نوما هادئا".

وقائع اغتصابنا كانت أكثر ألما من صور سجن أبو غريب


تتحدث وثائق رسمية تشير واحدة منها "تعليمة للجنرال بيجو عام 1948 موجهة إلى عسكريين فرنسيين يأمرهم فيها بأخذ النساء دون 15 سنة ونقلهم إلى جزر نائية قرب المحيط الأطلنطي ومعاشرتهن من أجل تقوية الشعب الفرنسي، كما تكشف وثائق أخرى من ملف المجاهدة (لويزة أحريز) عن اعترافات جندي فرنسي يقول فيها أنه داهم قرية بإحدى مناطق الجبال، حيث اعتدوا على جميع النساء وبقيت في ذهنه صورة تلك العجوز التي صادفته فاتحة فمها لإخباره بأنه لا يحوي على أسنان من ذهب ورافعة عن ثوبها عارضة نفسها مقابل أن لا يمس عرض بناتها.
وتتحدث مجاهدة كبيرة رفضت ذكر اسمها في الموضوع عن ملف الاغتصاب، لاسيما في أوساط السجينات، إبان الثورة التحريرية قائلة "يوميا كان يتحرش بنا.. بل إن الاغتصاب كان بالنسبة لهم وسيلة من وسائل التعذيب .. فلم يكن المستعمر الفرنسي يكتفي بالاغتصاب، بل إنهم كانوا يتفننون في تجريدنا من ملابسنا .. تصمت للحظات ثم تقول: صور سجن أبو غريب بالعراق كانت أقل بكثير مما كان يحدث لنا بالسجون إبان الثورة التحريرية.. أذكر أنهم كانوا يجردوننا جماعيا من ملابسنا، وكان يطوف علينا أحد الجنود يقوم بتلمس أجسادنا بعصا حديدية (..) وبعد الاغتصاب كانوا يرفضون إرجاع ملابسنا ..
ومما روي لنا، مشاركة أطراف إفريقية في عمليات اغتصاب الجزائريات، ومن هؤلاء مجاهدات قاومن التعذيب في السجون ورفضن الحديث، فكان بعض الجنرالات الفرنسيين يأمرون باغتصابهن من طرف مجندين فرنسيين من دول إفريقية لإجبارهن على الحديث تحت ألم الاغتصاب الوحشي.

1700 محامي بحوزتهم ملفات اغتصاب جزائريات إبان الثورة


كشفت مصادر قانونية، أن ملف اغتصاب الجزائريات ظهر بشدة بعد قضية المجاهدة لويزة إغيل أحرير، وقالت المصادر التي عملت على الملف، إنه إذا فاق عدد شهداء الثورة المليون ونصف المليون شهيد، فإن عدد ضحايا الاغتصاب والتحرش مس عائلات الشهداء، فكثير من نساء الشهداء وبناتهن قدموا شهادات أليمة عن تعرضهن للتحرش والاغتصاب من قبل الجنود الفرنسيين، كما تعرضوا للضرب والتعذيب لتقديم معلومات عن أزواجهن. وأكدت مصادرنا أن قرابة 1728 محاميا يملك وثائق وملفات تتعلق بجرائم فرنسا الإستعمارية في الجزائر، من قتل وتعذيب واغتصاب..
هذا ورفضت إحدى مجاهدات الثورة الجزائرية تدوين شهادتها باسمها وبتوقيعها قائلة "ليس سكوتا عن الجريمة، فالذي يقتل أكثر من المليون نصف المليون شهيد .. يغتصب أيضا وينتهك العرض، كما أن اعتذار فرنسا لن يقدم ولن يؤخر في شيء .. فالتاريخ حسم .. واستقلت الجزائر، وكل العالم يدري أن فرنسا قتلت، وسفحت، واغتصبت، أيضا".
اليوم ونحن نحتفل بالذكرى 46 لعيدي الاستقلال والشباب .. ربما أضحى مطلوبا أمام رفض فرنسا اعترافها واعتذارها، من كبار مجاهدات الثورة تدوين هذه الجرائم وتسجيلها وكشفها لا لفضح عار فرنسا .. فكما قالت إحدى المجاهدات "جاهدنا أمس بالسلاح .. وسنجاهد اليوم بشهاداتنا".

الاثنين، 8 يوليو 2013

الفتح والأرض في الأندلس

كان فتح الأندلس، وتنظيم أمورها في الأساس شأن ولاة إفريقية. وكان الفتح في العقد الأخير للقرن الأول الهجري(92-95هـ/711-714م).
وقد وضعت التنظيمات التي تخص معاملة الأراضي المفتوحة وأهلها واستقرت في المشرق خلال القرن الأول الهجري، ويفترض أن تطبق على الأندلس، ولكن الكثير من الروايات تعطي صورة مخالفة.
ابتداءً نشير إلى الإجراءات التي اتخذت في فتح إفريقية والمغرب، لتكون مدخلاً إلى الحديث عن معاملة الأرض في الأندلس.
يبدو أنّ الغارات في إفريقية كان يرافقها كثرة الغنائم، والسبي خاصة، وإرسال الخمس إلى المركز.
وكان للسبي أهمية خاصة بالنسبة للخلفاء. يقول ابن عذاري: " وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب ويبعثون بها إلى عمّال إفريقية فيبعثون لهم البربريات".
وترد الإشارة الأولى إلى تنظيم الخراج زمن حسّان بن النعمان (74-85هـ/ 694-704م)، فيذكر ابن عبد الحكم عن حسان أنه " دوّن الدواوين ووضع الخراج على عجم إفريقية ومن أقام معهم على النصرانية من البربر، وعامتهم من البرانس(المستقرين) إلاّ قليلاً من البتر(البدو)" .
ويذكر المالكي عن حسّان " فلمّا رأت الروم (شدته) وقهره (لهم وعلموا) أنهم لا قوام لهم به سألوه الصلح وأن يضع عليهم الخراج فأجابهم إلى ذلك".
ويتطرق المالكي إلى سياسة حسّان بن النعمان مع البربر فيقول: إنّ "البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم حتى أعطوه اثني عشر ألف فارس يكونون مع العرب مجاهدين، فأجابوه وأسلموا على يديه"، ولم يكتف بذلك، بل "وأخرجهم مع العرب يفتحون إفريقية". ويضيف "فمن ذلك صارت الخطط للبربر بإفريقية، فكان يقسم الفيء بينهم والأرض.فدانت له إفريقية ودوّن الدواوين". ويقول ابن عذاري: إنّه في سنة 82هـ/701م" استقامت بلاد إفريقية لحسّان بن النعمان فدوّن الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم إفريقية ومن أقام معهم على دين النصرانية . أي أنّ الخراج فرض على الروم والنصارى الآخرين مع الأفارقة والبربر.
وقد جعل حسّان الدواوين، ومنها ديوان الخراج إلى جانب دار الإمارة.
هكذا يتبين أنّ الخراج فرض على الأرض، وأنّ البربر في إفريقية وبتأثير سياسة حسّان أسلموا، وشاركوا في الجهاد وبالتالي في الفيء، وهذا يعني ترك أراضيهم بأيديهم، ولن يكون لهم بعد ذلك من الأرض شيء إلاّ من الصوافي، فالمالكي نفسه يقول:" واستقامت إفريقية كلها، وآمن أهلها، وقطع الله عز وجل مدة أهل الكفر بها، وصارت دار إسلام إلى وقتنا هذا".
وأخضع موسى بن نصير المغرب، وانتشر الإسلام بين أهله. ومع ذلك يبدو أنّ الإسلام عمّ في المغرب في ولاية إسماعيل بن أبي المهاجر الذي ولاّه عمر بن عبد العزيز على إفريقية سنة 100هـ/718م الذي " كان حريصاً على دعاء البربر إلى الإسلام حتى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه في دولة عمر بن عبد العزيز".
وينتظر أن لا يدفع الخراج من أسلم قبل أن يقدر عليه، بل يدفع العشر. ولا نسمع عن مشكلة كبرى مع البربر إلاّ أيام هشام بن عبد الملك في ثورة ميسرة(الحقير) المدغري سنة 122هـ/739م، وسببها المباشر تعسف أمير إفريقية عبيد الله بن الحبحاب (116-123هـ/734-741م)، وظلم عامله على طنجة. يقول ابن عذاري: "فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب منّاهم (الأمويين) بالكثير وتكلف لهم أو كلفوه أكثر مما كان، فاضطر إلى التعسف وسوء السيرة، فحينئذٍ عدت البرابر على عاملهم على طنجة فقتلوه وثاروا بأجمعهم على ابن الحبحاب". ويضيف ابن عذاري:"ثم إنّ عمر بن عبدالله المرادي، عامل طنجة وما والاها، أساء السيرة وتعدّى في الصدقات والعشر، وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فيء المسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله، وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب الإسلام، فكان فعله الذميم سبباً لنقض البلاد وخروج الفتن العظيمة".
وواضح أنّ إجراءات عامل طنجة تخص المسلمين، وأن سبي البربر المسلمين مخالف للمفهوم الإسلامي، كما أنّ الزيادة في العشر على الأرض وفي الصدقات هو تجاوز وجور على المسلمين.
هكذا يتبين أنّ أراضي إفريقية صارت خراجية، إلاّ تلك التي أسلم عليها أهلها، وصارت إفريقية دار إسلام بدءاً بولاية حسان. ويلاحظ أنّ الأمويين حبذوا السبي من البربر غير المسلمين، الذي خمس، بينما ردّ عمر بن الخطاب السبي في السواد والأهواز مثلاً لأنه رأى أنّ إبقاء الفلاحين على الأرض أجدى.
وينتظر أن يثير الفقهاء في إفريقية مسألة الصلح والعنوة، وهي مسألة ظهرت زمن المروانيين من بني أمية بالنسبة لإمكان زيادة الضرائب( الجزية والخراج)، كما فعل عبد الملك في الجزيرة الفراتية والشام، ولمعاملة الأرض بعد الفتح بين اعتبارها غنيمة أو فيئاً للأمّة. وقد تناولها الداودي (ت402هـ/1011م)، في روايته وهو يروي عن سحنون(ت240هـ/855م)، قال: " كشفت عن أرض إفريقية فلم أقف منها عن حقيقة هل هي عنوة أو صلح، وسألت عن ذلك علي بن زياد(ت183هـ/799م) فقال لم يصح عندي فيها شيء". ثم يقول الداودي " إذا خفي خبر الأرض ولم يعلم هل هي صلح أو عنوة أو أسلم عليها أربابها فهي لمن وجدت في يده، وإن كان لا يُدرى بأي وجه صارت إليه" . ويضيف " وأمّا بلاد المصامدة وأرض مراكش، قال ابن عبد الحكم: اتفق أشياخنا من أهل العلم أنها أسلم عليها أربابها، وليس فيها صلح ولا عنوة". ويورد الداودي رواية: " قيل: إنّ منها ما افتتح عنوة ومنها ما افتتح صلحاً"، وهو قول لا دلالة فيه. ويورد رواية أخرى:" إنّ إفريقية، من طرابلس إلى طنجة، تجري على ما تواطأت عليه القرون في أمرها، وتقر بأيدي مالكها". وهذه الرواية تستثني ما اغتصب أو ما أخذ قسراً أو ما أجلي عنه أهله " بالأخماس"، وربط الجلاء بالأخماس يشير لأراضٍ سبي أهلها أو جلوا عنها وصارت في حكم الصوافي.
وتبقى إشارة سحنون، الفقيه الكبير، بأنّ الصلح أو العنوة ليست واردة، وأما إشارة ابن عبد الحكم إلى الأراضي التي أسلم عليها أهلها، فتعني الإقرار بأنّ الأرض تركت بأيدي أصحابها.
- وحين ننظر للأندلس لا نجد ما يدعو لاتخاذ أسس في معاملة الأرض وفي الضرائب تختلف عمّا سار عليه الأمويون في المشرق، وفي إفريقية. وقد يكون للأوضاع المحلية في الأندلس بعض الأثر في التطبيق في إطار الأسس/المبادئ العامة.
يلاحظ هنا أنّ الأندلس اعتبرت ابتداءً "ثغراً" و"دار جهاد" لأنّ البحر يفصلها عن البلاد الإسلامية، ولأنها أمام الأعداء في الشمال والغرب. وكانت إسبانيا تحت حكم القوط ، وهؤلاء-كفاتحين آنئذٍ- كانوا يأخذون الثلث من الأرض أو من ناتجها.
وكانت إسبانيا مقسمة إلى عدد من المقاطعات، يحكم كلا منها دوق، وتضم كل مقاطعة عدداً من الوحدات الإداريّة يحكم كلاً منها قومس(كونت). وتقوم الوحدة على المدينة/ القلعة وما يرجع إليها من قرى وضياع وأراضٍ زراعية . وقد استمر هذا الوضع في الفترة الإسلامية، بمعدل سبع إلى عشر قرى لكل مدينة ، وصار يطلق على المدينة وتوابعها بعد الفتح اسم الكورة .
إنّ المصادر العربية عن فتح الأندلس جاءت متأخرة كما إِنّ معلوماتها قليلة وذلك يكوّن مشكلة للباحث وليس له إلاّ أن يبحث عن أية إشارات مفيدة. وهنا ننوه بمصدر إسباني كتب حوالي منتصف القرن الثامن الميلادي (الثاني للهجرة)، وتناول الفتح والفترة الأولى بعده، وهو بحكم المعاصر للأحداث، ويشار إليه بـ "تاريخ 754".
يلاحظ ابتداءً أنّ أولى معارك الفتح كانت في وادي لكّة إذ دخل لذريق ومعه ملوك/أمراء الأندلس الموالين له- معركة حاسمة مع المسلمين بقيادة طارق بن زياد وانتهت بتدمير الجيش القوطي(في28رمضان 92هـ/19تموز 711م). وجمع طارق "الفيء" (الغنيمة) وقسمه .
أمّا المواجهات التالية فكانت بين الأمراء المحليين(أو الكونتات جمع كونت) والمسلمين. فمثلاً تقدم طارق إلى إسْتِجَّة حيث تجمّع فلال معركة وادي لكّة، وبعد قتال شديد صالحت إسْتِجَّة على الجزية . ويقول المقري" ولم يلق المسلمون فيما بعد ذلك حرباً مثلها".
وواجه تدمير (الأمير المحلي) المسلمين ومركزه أوريولة وبعد قتال شديد صالح على جزية محددة عن كل فرد .
ويذكر الحميري أنّ مدينة وَشْقَة حوصرت حصاراً طويلاً حتى بنى المسلمون المساكن وغرسوا الغروس وحرثوا لمعايشهم واستمر الحصار سبعة أعوام، ثمّ " استأمنوا لأنفسهم وذراريهم، فمن دخل الإسلام ملك نفسه وماله وحرمته، ومن أقام على النصرانية أدى الجزية" .
وهكذا نجد الإشارات إلى فرض الجزية على من خضع بعد القتال وعلى من صالح. ولا ترد إشارة إلى معاملة الأرض، كما هو الحال في الفتوح عامة، لأنّ ذلك يأتي بعد الفتح واستقرار الأمور.
واستولى موسى بن نصير على ماردة سنة 94هـ/713م، بعد مقاومة شديدة، "فنالوا من المسلمين دفعات وآذوهم"، وصالح أهلها على أنّ " جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية، للمسلمين، وأموال الكنائس وحليها لها".
وهنا اعتبرت أموال القتلى في معركة يوم الكمين، وأموال الهاربين إلى جليقية وكذلك أموال الكنائس وحليها غنيمة. وبالتالي فالأراضي تكون صوافي، وهي - كما قرر عمر بن الخطاب - فيء (غنيمة) للمقاتلة. وسنتناول موضوع الصوافي لاحقاً.
- ولا يهمنا الدخول في تفاصيل سير حركة الفتح على يد طارق بن زياد، ثم موسى بن نصير، بل نكتفي بالإشارات التي تتصل بموضوع البحث.
وهنا تواجهنا روايات، لا تخلو من تضارب وتباين، وبخاصة في كتاب رحلة الوزير (أو الرّسالة الشريفية) تنسب إلى موسى بن نصير اتخاذ إجراءات في الأراضي المفتوحة.
جاء في رواية أنّ موسى بن نصير فتح البلاد من عمل إشبيلية " فبدأ بها...ثمّ سار منها إلى لبلة ثمّ إلى باجة ثم إلى أكشبونة على سيف البحر، فافتتحها أجمع سلماً". وفي رواية لمحمد بن موسى الرازي (ت277هـ/890م) إشارة إلى تحرك موسى بن نصير في الاتجاه نفسه من إشبييلة إلى أكشبونة، من دون وصف طبيعة الفتح. والقول إنّ الفتح كان سلماً يعني أداء المغلوبين الجزية للمسلمين مع بقائهم في أراضيهم.
ويورد الغساني رواية عن محمد بن مزين(ت471هـ/1078م) نقلاً عن محمد بن موسى الرازي (ت277هـ/890م)، في سِفْره (الرايات)، أنه حين تمّ افتتاح الأندلس " قسمها موسى بن نصير البكري التابعي بين الجيوش الذين دخلوها كما قسّم بينهم سبيها ومتاعها وسائر مغانمها، وأخرج من أرضها ورباعها الخمس، كما أخرجه من سبيها ومتاعها. واختار من خيار السبي وصغاره مئة ألف وحملهم إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وترك سائر الخمس من كبل وسبي ووخش الرقيق، في الخمس من الأرضين يعمرونها ليثلّث مال المسلمين، وهم أهل البسائط، وكانوا يعرفون الأخماس وأولادهم بنو الأخمس"، وأضاف " وأمّا سائر النصارى الذين كانوا في المعاقل المنيعة والجبال الشامخة، فأقرهم موسى بن نصير على أموالهم ودينهم بأداء الجزيةـ وهم الذين بقوا على ما حيز من أموالهم بأرض الشمال لأنهم صالحوا على جزء منها مع أداء الجزية في أرض الثمرة وأرض الزرع على ما فعله خير من اقتدي به صلى الله عليه وسلم بيهود خيبر في نخيلهم وأراضيهم". ثمّ قال:" "فلم يبق بالأندلس بلدة دخلها المسلمون بأسيافهم، وأصبحت ملكاً لهم، إلاّ وقسّم موسى بن نصير بينهم أراضيها إلاّ ثلاثة بلاد، وهي شنترين وقلنبرية في الغرب وشيه في الشرق، وسائر البلاد خمست وقسمت...ثمّ توارث الأراضي الأبناء عن الآباء. والذي ذكره الناس والعلماء من أرض (الصلح) وأرض العنوة بالأندلس فإنما هو مال الخمس، هو أرض العنوة، وما صولحوا عليه فهو حال الشمل من أرض وشجر لا سائر أموال الناس".
وهذه الرواية قلقة، فهي تبين أنّ أكثر الأراضي فتحت عنوة، مع أنّ المواجهة، بعد المعركة الحاسمة مع لذريق، كانت مع حكام المدن الذين كانوا يصالحون عن مدنهم عادة.
وأورد الغساني رواية أخرى تشعر بذلك، " وقال بعض علماء السلف بأمر الأندلس أنّ أكثرها إنما فتح صلحاً إلاّ الأقل من مواضع معروفة وأنه لما هزم لذريق لم يقف المسلمون بعد ذلك ببلد إلاّ أذعنوا إلى الصلح، ولذلك بقي الروم فيها على أرضهم وأموالهم يبيعون ويباع منهم". وهي رواية واضحة الدلالة في أنّ الأرض بقيت لأهلها يتصرفون بها وأنها صارت خراجية .
كما أنّ رواية محمد بن مزين(عن محمد بن موسى الرازي)؛ التي تتحدث عن أراضي العنوة التي يفترض أنها صارت غنيمة للمسلمين، تبين أنها تدفع الثلث لهم، وهو ما كان يدفع للقوط من قبل ، فهو بمثابة الخراج. وأمّا أرض الصلح فقد قرنتها الرواية بإجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم في خيبر، علماً بأنّ خيبر اعتبرت غنيمة وخمست، وهذا عكس ما تدّعيه الرواية. وتبين الرواية أنّ أهل الصلح (في أرض الشمال)" صالحوا على جزء منها (الأرض) مع أداء الجزية"، وهو مثل ما ذكر عن أرض العنوة، من دفع الثلث( من الأرض أو من حاصلها) في الخراج، إضافة إلى الجزية.
من كل ذلك يتبين أن الأرض في عامتها- سواء اعتبرت أرض صلح، أو أرض عنوة-صارت خراجيّة.
وبعد هذا يورد الغساني رواية تفيد أنّ موسى بن نصير وجماعة من فاتحي الأندلس وفدوا على الوليد" يستأذنونه في إخلائها والرحيل عنها إلى أوطانهم فقربهم وآنسهم وأقطعهم الإقطاعات فيها وأقرهم...ولم يجعل لهم سبيلاً إلى الخروج منها..." ، وهذه الرواية تثير التساؤل، فلماذا يقطعهم الوليد إقطاعات إذا كانت الأراضي وزعت عليهم بعد التخميس؟ ولماذا يطلبون الرحيل عن البلاد بعد تملكهم الأراضي؟ أليس في هذا التباس مع ما حصل زمن عمر بن عبد العزيز(كما سنرى)؟.وجاء في رواية أخرى أنّ الوليد أقرهم (أي الفاتحين) على ما"قسم موسى بن نصير" بينهم وسجل لهم به، وأقطع من دخل الأندلس بعدهم من الخمس إقطاعات، علماً بأنّ موسى بن نصير وصل إلى دمشق والوليد في مرضه الأخير، وكأن هذه الرواية تنسب للوليد ما قام به عمر بن عبد العزيز.
كما أن فترة ولاية موسى بن نصير كانت فترة قصيرة، حافلة بأعمال الفتح حتى آخر أيامه ولا تتسع لتنظيم الأرض والضرائب.
وبعد هذا، فإنّ عدد الفاتحين كان قليلاً، حوالي(25.000)، وكانت الحاجة ملحة إلى حاميات في المدن الرئيسة، ولا مجال لانتشارهم على الأرض.
وهنا نذكر أنّ التخميس في البلاد المفتوحة من أيام الراشدين لم يشمل إلاّ الصوافي، إذ إنّ عمر بن الخطاب قرر أنّ أرض الصوافي فيء (أي غنيمة) للمقاتلة، أربعة أخماسها لهم ولبيت المال خمسها. ثم ضمّت أرض الصوافي لبيت المال في أيام معاوية.
والصوافي في الأساس أراضي الأسر الحاكمة السابقة وأراضي بعض النبلاء، ومن قتل أو جلا أثناء الحرب، وكل أرض من دون مالك بعد الفتح مباشرة .
ويبدو أنّ أرض الصوافي في الأندلس كانت واسعة، فضياع أولاد الملك غيطشة((Wittiza مثلاً كانت ثلاثة آلاف ضيعة . وللملك ضياعه العائلية إضافة إلى ضياع التاج، ولا بد من أنّ ضياع لذريق العائلية والملكية كانت كثيرة وبخاصة في منطقة قرطبة حتى أنهم سموا قرطبة بلاط لذريق، وقد اعتبرت هذه من الصوافي، وهذا يصدق على أرض من جلا أو قتل أثناء الحرب .
ولا يخفى أنّ أملاك النبلاء الذين قتلوا أو هربوا كانت واسعة. يذكر كتاب(التاريخ 754) أنّ موسى بن نصير أعدم في طليطلة بعض النبلاء الذين كانت لهم صلة بهرب (أوبة) أخ الملك غيطشة .
ويشير كتاب (أخبار مجموعة) إلى أسر ملك قرطبة من مغيث مولى الوليد ويقول: " ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، منهم من عقد على نفسه أماناً ومنهم من هرب إلى جليقية". فمن حصل على الأمان حفظ أرضه كما فعل صاحب تدمير، ومن هرب اعتبرت أراضيه صوافي. وفي أخبار مجموعة أنّ تدمير عقد على نفسه الصلح وعلى أهل بلده فصارت تدمير صلحاً كلها...وعاملهم على ترك أمواله في يديه"، وترد إشارات إلى هرب الكثير من السكان من وجه القوات الفاتحة، كما أنّ أعداد السبي تبدو كبيرة .
نشط عبد العزيز بن موسى بن نصير في ولايته( صفر95هـ- رجب 97هـ/نوفمبر713/مارس716) لفتح جنوب شرق الأندلس (مالقة، غرناطة، مرسية) ونقل مركز الحكم إلى إشبيلية .
ويفهم من (التاريخ 754) أنّ فترة ولاية عبد العزيز-(ويجعلها 712-715م) أي(94-97هـ)- كانت مهمة في أنها أسست حكم المسلمين في شبه الجزيرة، ويقول إنّ عبد العزيز كان" خلال ثلاث سنوات يخضع إسبانيا سلمياً إلى عبء الضرائب". وهذا يعني أنه بدأ بتنظيم الإدارة، بما في ذلك القيام بإحصاء السكان لفرض الجزية، والنظر في أمور الخراج وتهدئة البلاد .
ويهمنا هنا صلح عبد العزيز بن موسى بن نصير مع تدمير((Theodomir، سيّد سبع مدن وما يتبعها من أراضي جنوب شرق الأندلس، وجاء فيه " أنه (أي تدمير) نزل على الصلح، وأن له عهد الله وذمته، أن لا ينزع عنه ملكه ، ولا أحداً من النصارى عن أملاكه، وأنهم لا يُقتلون ولا يسبون، أولادهم ولا نساؤهم، ولا يُكرهون على دينهم ولا تحرق كنائسهم ما تعبد، وما نصح، وأنّ الذي اشترط عليه أنه صالح على سبع مدائن، أوريولة وبلنتلة ولَقَنْت ومولة وبَقْرة وأنّة ولورقة. وأنه لا يأوي لنا عدواً، ولا يخيف لنا آمناً، ولا يكتم خبراً علمه، وأنّ عليه وعلى أصحابه ديناراً كل سنة وأربعة أمداد قمح وأربعة أمداد شعير وأربعة أقساط طلا وأربعة أقساط خل وقسطي عسل وقسطي زيت، وعلى العبد نصف ذلك، كتب في رجب 94هـ" أي نيسان 713م .
هذا الصلح ترك الإدارة المحلية بيد تدمير، وحفظ له أمواله، وأمن رعيته على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وكنائسهم، على دفع جزية سنوية، عن كل فرد، ديناراً ومواد طعام عينية، كما ذكر. وهو صلح يشبه في الأساس عهود الصلح الإسلامية في المشرق. ولا ينتظر أن يكون هذا هو الصلح الوحيد، والأرجح أنّ سلسلة عهود مماثلة عقدت مع عدد من المدن من خلال الكونتات أو مجالس المدن حسب الأوضاع. وهناك ما يدعو للاعتقاد بأنّ صلحاً مماثلاً عقد مع أهالي بنبلونة .
ومثل هذا الصلح يدل على أنّ ملكية الأرض لم تتأثر بأحداث الفتح، فقد كان القوط يفرضون الثلث على الأرض، فاستمر هذا أو ما يقرب منه بعد الفتح .
أمّا مقادير الجزية فلا تتطابق مع ما فرض في بعض جهات المشرق(ربما باستثناء النقد). ولعلها أقرب إلى الأعراف القوطية، ويمكن الافتراض أنّ مقادير الجزية تختلف من موقع لآخر في المواد العينية . ومثل هذه الترتيبات مناسبة للفاتحين في البداية لأنَّها تجعل المقاتلة أكثر حريّة في متابعة الفتح من دون الحاجة إلى ترك حاميات في المدن كافة ، خاصة وأنّ قوّات الفاتحين كانت متواضعة.
يتبين إذن أنّ شبه الجزيرة العربية شهدت ابتداءً أنموذجين للإدارة: الأول جهات بقي لها أمراء محليون، مثل تدمير، والثاني جهات تدار مباشرة من العرب، ووضعت حاميات في مدنها الرئيسة.
وترد إشارات يفهم منها أنّ بعض المقاتلة استولوا على أراضٍ في فترة الفتوح، ويرجح أنها كانت- على الأغلب- من الأراضي الخالية، نتيجة مقتل أصحابها أو جلائهم، وهذه من الصوافي، فملكوها وبقوا عليها . ويشير المقري إلى الوضع بوضوح إذ يقول: " وكانت العرب والبربر، كلما مرّ قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به ونزلوه قاطنين فاتسع نطاق الإسلام بأرض الأندلس".
وقدم الحرّ والياً على الأندلس ومعه400من الوجوه من إفريقية، في ذي الحجة 97هـ/آب716م وبقي إلى رمضان100هـ/نيسان 719م فكان والياً ثلاث سنين . ولا يرد في المصادر العربية شيء عن إدارته إلاّ أنه نقل مقر الإمارة من إشبيلية إلى قرطبة. ولكن يفهم من (التاريخ 754) أنه حقق شيئاً من النظام الإداري بإرسال الموظفين الإداريين الرئيسين للمدن (ولاة). كما اهتم بمعاقبة البربر الذين أخفوا بعض الغنائم. وأمّا بالنسبة للمسيحيين فيبدو أنّ الحرّ أتم ما بدأه عبد العزيز من فرض الخراج على إسبانيا الخارجية (الشماليّة) . كما أنه أعاد بعض الضياع التي استولى عليها العرب إلى أصحابها السابقين، ويرجح أنها أراضي نبلاء وملاكين هربوا وعادوا إلى أراضيهم بعد استقرار الوضع مقابل دفع الخراج . وبإيجاز فإنه نظّم الضرائب على أهل البلاد، وثبت نظام الأراضي السائد قبل الفتح. وأبقى للفاتحين الأراضي التي صارت لهم.
وشهدت هذه الفترة إدخال نقود عربية جديدة، "دنانير" على غرار نقد المملكة القوطية، ولكن باللغتين العربية واللاتينية. ولعل هذا يشعر باستقرار الإدارة.
- وتضطرب الروايات مرة أخرى في إشاراتها إلى الإجراءات في فترة عمر ابن عبد العزيز. ولّى عمر السمح بن مالك الخولاني على الأندلس في (رمضان100-ذي الحجة 102هـ/نيسان719-حزيران 721م)، ويروى أن الخليفة فكّر بسحب المقاتلة من الأندلس " إذ خشي تغلب العدو عليهم" لكن السمح طمأنه على استقرار أمور المسلمين فيها. ثم إنّ الخليفة أولى الأندلس عناية خاصّة فأفردها عن ولاية إفريقية وجعلها ولاية بذاتها واعتبرها ثغراً وراعى ذلك في التعامل مع الأرض.
وتتجه الروايات إلى أنّ الخليفة أمر السمح بتخميس الأرض، لكنها تتباين في ذلك، هل هي أراضي الأندلس عامّة أو بعضها.ففي رواية "أن ابن نصير قسّم وخمّس بعض البلاد، وأعجلته حركته منها...فلمّا ولاّها...عمر بن عبد العزيز السمح بن مالك الخولاني أمره أن يخمّس ما بقي منها". وقد سبق وأوضحت أنّ تنظيم التعامل مع الأرض بدأ زمن عبد العزيز بن موسى بن نصير.
وفي رواية للرازي عن عبد الملك بن حبيب(ت238هـ/852م) أنّ الخليفة أمر السمح" أن يخمّس ما بقي من أرضها وعقارها- من دون إشارة إلى البدايات- ويخرج منها خمس الله تعالى، ويقر القرى بأيدي أربابها. وفي "أخبار مجموعة" رواية تفيد أنّ الخليفة أمر السمح " أن يخمّس أرضها ويخرج مما (الأصل ما) كان عنوة خمساً لله، من أرضها وعقارها، ويقر القرى بأيدي غنّامها بعد أن يأخذ الخمس".
وهي رواية في اتجاه رواية ابن حبيب نفسه إلا أنها تتحدث عن أرض الصلح وأرض العنوة، وهو حديث فقهي لم يكن له دور في الواقع.
وهكذا يتبين أنّ القرى عامّة بقيت بأيدي أهلها، أي جُعلت أرضاً خراجيّة، وأنّ التخميس بدأ من قبل، وأنه شمل الآن ما بقي من الأرض والعقار. وهكذا يتبين أنّ القرى عامّة بقيت بأيدي أهلها، باستثناء أرض الصوافي.
تتجه الروايات إلى أنّ الأرض التي خمّست هي أرض العنوة. ويلاحظ أنّ الحديث عن أرض العنوة وأرض الصلح هو حديث فقهي ظهر في المشرق في أواسط الفترة الأموية، في حين أنّ عامّة الأرض في البلاد المفتوحة اعتبرت خراجيّة.
وفي رواية للرازي عن عبد الملك بن حبيب، أنّ السمح" ميّز أرض العنوة من أرض الصلح ليصح الخمس" وتضيف أنه" لما أتم عمله خيّر الخليفة بما عمله في أرض العنوة وأرض الشمل، وهي التي فتحت صلحاً". ثمّ تجعل الرواية معاملة هذه الأرض وأرض العنوة معاملة واحدة، إذ تقول عن أرض الشمل: "فإنّ أهلها صولحوا على الجزية مع أجزاء من الأرض منها مثالثة ومرابعة، كيف ما كان طيب الأرض وغلتها" ويضيف "حسبما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر". فالرواية تجعل معاملة أرض الصلح وأرض العنوة واحدة مع أنها تبين أنّ أرض الشمل صولح أهلها على الجزية وعلى الثلث والربع من الأرض أو من واردها، أي فرض الخراج على الأرض.
أمّا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بخيبر فإنه اعتبرها غنيمة للمقاتلة ولم يتبع مثل هذا الإجراء في أي بلد آخر في العصر الراشدي أو الأموي. إنّ الأرض التي اعتبرت غنيمة للمقاتلة زمن الراشدين هي أرض الصوافي وحدها. واعتبار الأندلس ثغراً أفضى إلى إقطاع المقاتلة منها بعد إخراج الخمس.
ويبين عبد الملك بن حبيب أنّ السمح" ميّز أرض العنوة ليصح الخمس فينزل القسم بتخميس قرطبة...وأخرجت البطحاء المعروفة بمصلى بقبلي قرطبة في الخمس" فأمر الخليفة بجعل البطحاء مقبرة للمسلمين. وفي رواية أخرى أنّ البطحاء خرجت في خمس قرطبة بقبليها.
وينفرد ابن القوطية بالقول إنّ الخليفة وجه جابراً مولاه ليخمس الأندلس، فنزل قرطبة، ثم أتته وفاة عمر فرفع يده عن التخميس. وهذه الرّوايات تشعر بأنّ التخميس المهم حصل في منطقة قرطبة التي تتميز بسعة صوافيها.
بعد هذا يلاحظ أنّ عمر بن عبد العزيز أوصى السمح بن مالك أن" يحمل الناس على طريق الحق، ولا يعدل عن منهج الرّفق"، وهذا يشعر بحصول تعديات أو تجاوز على أرض الخراج، وربما على الصوافي، كما حصل في المشرق، وحرص الخليفة على العدل. وهذا يعني أن يطبق السمح سياسة الخليفة بالنسبة للأرض الخراجية وأرض الصوافي.
ولعل الروايات التالية تدعم ما ذكر. ترد رواية عن عبدالملك بن حبيب، وأخرى دون إسناد، تفيدان: أنّ السمح دخل الأندلس ومعه "جيش من العرب"، وأراد النزول مع جندها الأول في أموالهم(أراضيهم)، ولكن هؤلاء لم يقبلوا بأية مشاركة، وذهب وفد منهم إلى الخليفة وشكوا إليه ذلك، وأبدوا استعدادهم للانسحاب والرجوع إلى بلادهم، فمنعهم من ذلك وعقد لهم بإقرارهم على أموالهم على أساس أنّ الأندلس ثغر، وذلك يوجب إقطاعهم الأراضي ليستقروا عليها كما فعل عمر بن الخطاب في الثغور في المشرق، " وكتب إلى السمح أن يقطع الجند الذين دخلوا معه من الأخماس"، أي إقطاعات جديدة في الصوافي.
ويرجح أنّ أراضي خراجيّة تحوّلت إلى عشرية نتيجة تجاوز العرب عليها أو شرائهم لها، إضافة إلى التجاوز على أراضي الصوافي، كما حصل في المشرق.
وقد قرّر عمر بن عبد العزيز أنّ أرض الخراج هي فيء للأمّة، وأنها يجب أن تبقى خراجيّة بدءاً من سنة 100هـ/ 718م(المدة)، لا يجوز بيعها منعاً لتحويلها إلى عشريّة، كما قرر تمييز أرض الصوافي الباقية. التي هي غنيمة للمقاتلة، ولكنها صارت- منذ أيام معاوية- تابعة للدولة تقطع منها أو تستغلها حسب المصلحة.
وهكذا يتبين أنّ السمح بن مالك جاء لتطبيق سياسة عمر بن عبد العزيز في الأندلس، في تمييز أرض الخراج للحفاظ عليها فيئاً للأمّة، وإقرار أهل القرى عامّة على أراضيهم على الخراج (إضافة للجزية)، وتحديد أرض الصوافي والإفادة منها بما يناسب الأندلس ثغراً. يعني هذا أنّ أي تخميس للأراضي إنما كان لأرض الصوافي ومنها كانت إقطاعات المقاتلة. وقبل هذا يبدو أنّ الأراضي التي أسلم عليها أهلها قبل إجرائه المسح اعتبرت عشرية.
إنّ بدايات تنظيم الضرائب والتعامل مع الأرض في الأندلس كانت-في الواقع- زمن عبد العزيز بن موسى بن نصير، واستمرت زمن الحر، وشملت إعادة أراضٍ لأصحابها الإسبان، بعد أن استولى عليها بعض المقاتلة، مع بقاء وضع الصوافي غير محدّد أو مستقر.
ولذا ينتظر أن يطبّق عمر بن عبد العزيز إصلاحاته في الأندلس بالنسبة لأرض الخراج وللصوافي.
وينسب (التاريخ 754) إلى السمح بن مالك الخولاني(718-721م) خطوتين مهمتين، الأولى: أنه اتخذ تقديراً للضريبة لكل إسبانيا (الداخلة والخارجة، أو الجنوبية والشمالية) وهذا يعني الاتجاه لتنظيم الخراج وتمييز الأرض الخراجية في الأندلس عامّة.
والثانية: أنه أجرى تقسيماً للغنائم(الأموال غير المنقولة) التي تركت من دون قسمة في إسبانيا، وخصص نسبة من تلك الأموال(أو الأراضي) لبيت المال. وهكذا اتخذت خطوات جديدة لإقامة إدارة على أسس منظمة، وتثبيت تقديرات الخراج، وتثبيت الفتح بتنظيم وضع الأراضي الخراجية وأراضي المقاتلة الأول والقادمين الآن.
ومن هنا تتضح إشارة ابن عذاري إلى أنّ الخليفة أوصى السمح بأن" يحمل الناس على طريق الحق ويعدل بهم عن نهج الرفق".
وقد يكون في إجراءات الوالي أبي الخطار(126هـ/744م) إثر الفتنة بين البلديين(الداخلين زمن موسى بن نصير) والشاميين (الداخلين مع بلج بن بشر سنة 125هـ/743م) ما يدل بوضوح على أنّ عامّة الأرض اعتبرت خراجيّة. ويقول ابن القوطية:" ونظر أبو الخطار في إنزال الشاميين في كور الأندلس، وتفريقهم عن قرطبة، إذ كانت لا تحملهم،...وكان إنزالهم على أموال أهل الذمة من العجم، وبقي البلديون على غنائمهم لم ينقصهم شيء". فهو يبين أنّ أراضي البلديين غنائم لهم، أي ملكهم، وأنّ الشاميين أنزلوا على أموال أهل الذمّة.
ويوضح ابن الأبار(ت595-658هـ/1199-1260م) الوضع الجديد بقوله عن أبي الخطار:" ولم يقدّم في ولايته الأندلس شيئاً على تفريق جمع العرب الشاميين، الغالبين على البلد، عن دار الإمارة، قرطبة؛ إذ كانت لا تحملهم، وأنزلهم مع العرب البلديين على شبه منازلهم في كور شامهم، وتوسع لهم في البلاد، فأنزل في كورتي لشبونة وباجة جند مصر مع البلديين الأول، وأنزل باقيهم في كورة تدمير، وأنزل في كورتي لبلة وإشبيلية جند حمص(مع البلديين) الأول أيضاً، وأنزل في كورة شذونة والجزيرة جند فلسطين، وأنزل في كورة ريّة جند الأردن، وأنزل في كورة البيرة جند دمشق، وأنزل في كورة جَيّان جند قنسرين. وجعل لهم ثلث أموال أهل الذمة من العجم طعمة. وبقي البلديون من الجند الأول على ما بأيديهم من أموالهم لم يعرض لهم في شيء منها، فلما رأوا بلاداً شبه بلادهم خصباً وتوسعة سكنوا واغتبطوا وتمولوا. يتبيَّن من هذا النص أنّ الشاميين(أو جلهم) أنزلوا في كور محددة مع البلديين، وأنّ أراضي تلك الكور(ومن بينها تدمير) خراجيّة، وأنهم أعطوا "ثلث أموال أهل الذمة من العجم طعمة".
ويوضح لسان الدين بن الخطيب طريقة التعامل مع الثلث في حديثه عن منطقة غرناطة (البيرة) بقوله" ولما استقر بهذه الكورة الكريمة أهل الإسلام، وأنزل الأمير أبو الخطار قبائل العرب الشاميين الكورة وأقطعهم ثلث أموال المعاهدين، استمر ساكنهم في غمار من الروم، يعالجون فلاحة الأرض وعمران القرى، يرأسهم أشياخ من أهل دينهم، أولو حنكة ودهاء ومداراة ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم". أي أنّ الفلاحين والزراع الأصليين استمروا على فلاحة الأرض ودفع ثلث الحاصل، وهو الخراج عليهم، وليس في هذا تغيير عمّا كان عليه الوضع مع القوط، كما يتضح أنّ هذه الكور كانت أرضها خراجية شأن تدمير ولا شأن لها بأرض البلديين.
ممّا مرّ يتبين أنّ الفاتحين استولوا على أراضٍ أعجبتهم خلال الفتح واستقروا عليها، ولعل أكثرها من الأراضي الخالية (وتدخل في الصوافي)، وأنّ بداية الإجراءات في معاملة الأراضي وتنظيم الضرائب كانت أيام عبد العزيز ابن موسى بن نصير، وأنها تمت على خطوات عبر حوالي عشر سنوات، وأنّ الأرض عامة صارت أرض خراج. وأن أراضي الصوافي كانت واسعة، وهذه هي التي خمست، وتمّ ذلك في ولاية السمح بن مالك في خلافة عمر بن عبد العزيز. كما أنّ أملاك الفاتحين أقرت وسجلت في زمنه. ثم إنّ الشاميين أنزلوا من الوالي أبي الخطار في كور أراضيها خراجية، وأعطوا الثلث من واردها وهو خراجها.
هذا هو الواقع التاريخي للتطورات الحاصلة في التعامل مع الأراضي في الأندلس، ومن شأن الفقهاء أن ينظروا إلى الممارسات في سبيل بلورة المفاهيم الفقهية، فيقبلون بعضها أو يعيدون النظر في البعض الآخر، رفضاً أوتعديلاً. يقول الداودي:" وأمّا أرض الأندلس فقد طعن فيها بعض الناس وزعم أنها، أو أكثرها، فتحت عنوة، وأنها لم تخمس ولم تقسم، غير أنّ كلّ قوم وثبوا على طائفة منها بغير إقطاع من الإمام ولم تترك لمن يأتي من المسلمين". وهذا يذكر بما فعله بعض المقاتلة في السواد والأهواز زمن عمر بن الخطاب من الاستيلاء على أراضٍ خالية(أو صوافٍ)، ولكن الخليفة أوقف ذلك آنئذٍ.
وأورد الداودي رأياً آخر لا يشير إلى صلح أو عنوة إذ يقول: " أدركنا أهل الفقه والورع في بلاد الأندلس يشترون الأرض فيها ويبيعون، ونحن متبعون لهم". وهذا يعني أنّ الأرض تركت بأيدي أهلها على الخراج، وأنّ المسلمين يستطيعون شراء الأرض كما حصل في المشرق.
وهذا يذكّر برواية تفيد " أنه لما هزم لذريق لم يقف المسلمون بعد ذلك ببلد إلاّ أذعنوا إلى الصلح، ولذلك بقي الروم على أرضهم وأموالهم، يبيعون ويباع منهم"، وبذلك تكون الأرض عامة خراجية.
ولعل ابن حزم (ت456هـ/1064م) كان أكثر وضوحاً ودلالة حين يقول:" هذا ما لم نزل نسمعه سماع استفاضة، توجب العلم الضروري، إنّ الأندلس لم تخمّس وتقسم كما فعل رسول الله عليه السلام فيما فتح، ولا استطيبت أنفس المستفتحين وأقرت لجميع المسلمين كما فعل عمر رضي الله عنه فيما فتح، لكن نفذ الحكم فيها "لكل يد ما أخذت"، ووقعت غلبة بعد غلبة، ثمّ دخل البربر (و) الأفارقة فغلبوا على كثير من القرى من دون قسمة. ثم دخل الشاميون في طالعة بلج بن بشر بن غياض فأخرجوا أكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عمّا كان بأيديهم، كما ترون الآن من فعل البربر ولا فرق".
لقد دقّق ابن حزم فيما قال، فأوضح أنّه سمع"سماع استفاضة توجب العلم"، ليبين أنه لم تتبع في الأندلس إجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم في أراضي خيبر حين اعتبرها غنيمة وخمسها، ولم يتبع ما فعله عمر في اعتبار الأرض فيئاً للمسلمين، بل تركت الأرض من دون قرار عام بشأنها، فغلب المقاتلة على الأراضي وتملكوها وفق مفهوم" لكل يد ما أخذت"، وتكرر ذلك بعدئذ. ويفهم من ذلك أنّ عامة الأراضي تركت لأصحابها على الخراج. وجاء التنظيم النهائي للأرض والخراج زمن عمر بن عبد العزيز.
ويلاحظ أيضاً أنّ البلديين كانوا يدفعون العشر على أراضيهم، أي أنها كانت ملكاً لهم، أمّا الشاميون فلم يكونوا يدفعون شيئاً لأنهم يأخذون أعطياتهم وأرزاقهم كمقاتلة من ثلث الحاصل وهو الخراج.

المستقبل المظلم في ظل القتل والقتال في العالم الإسلامي

ما هو ذنب المواطن العربي والمسلم أن يظل ضحية للقتل والقتال في أقطاره من افغانستان الى العراق مرورا بالصومال الى المنطقة العربية في ليبيا واليمن وسورية ومناطق أخرى في العالم العربي والاسلامي رغم ان ثورات الاعتصامات العربية بدأت في تونس ثم مصر وخلعت النظامين في البلدين ولكنها لم تؤت ثمارها المستهدفة حتى الان لتحقيق النظام المأمول في البلدين.
وهل الامر طبيعي في العالم العربي ان يتم خلال عام 2011 خلع رئيسي تونس ومصر وفي الوقت الذي تجري فيه الدماء الغزيرة وعشرات الالاف من القتلى نتيجة للمعارك الطاحنة المحتدمة حاليا ومنذ بداية العام بهدف خلع قذافي ليبيا وشاويش اليمن وطائفي سوريا وفي الوقت الذي دمرت ليبيا تماما واليمن وسورية تحولتا الى اشلاء متناثرة وكل هذا الدمار الهائل من أجل بقاء هؤلاء المنحوسين؟
والمثير ان ثورات الاعتصامات العربية في بداياتها نالت الاعجاب محليا وعالميا نظرا لخططها السلمية وابتكاراتها الشبابية التي أرغمت الجهات الامنية على تجنب الصدام معها وها هي الان تكتسح العديد من شوارع وميادين المدن الامريكية والعالمية مع اختلاف المدعى عليه أو ضده حيث انها في العالم العربي ضد الانظمة الاستبدادية والمتسببة في عدم حصولها على الحرية والحياة الكريمة ..بينما هي الان في امريكا وغيرها ضد الشركات الاحتكارية المتسببة في معاناة المواطن.
وعندما اشتعلت ثورة الاعتصامات في تونس ومصر وانتصرت على زين العابدين ومبارك وبطريقة تعتبر حضارية استبشرت بقية الشعوب خيرا وظنت أنه حان وقت الخلاص والانتقال الى التطور المبني على الانظمة الديمقراطية السليمة ذات الاسس المتبعة في الدول المتحضرة وذلك ما دفع الجماهير الشعبية في اليمن وسورية وليبيا للتخلص من انظمتها التي عاثت فسادا منكرا في حق شعوبها وهكذا كانت وما يزال الصراع محتدما حتى الان.
ورغم عدم تحقيق أي من هذه الانتفاضات أو الثورات في البلدان العربية التي سبقت الى هذه الانتفاضات والاعتصامات لما سعت من أجل تحقيقه إلا ان هناك وفي أكثر من بلد عربي وغير عربي من يحاول التقليد ولكن المطالب تختلف من رحيل النظام الى المطالبة بإصلاحات وهذه المطالب تعتبر مشروعة مما يتوقع ان تصيب وتخطئ مثل هذه المطالب والتي نتمنى ألا تذهب الى العنف كما جرى ويجري في العراق وافغانستان وأخيرا في الصومال عندما كانت الضحايا جسيمة ضد اشخاص ليست لهم علاقة بما يعانيه الشعب الصومالي من ضنك الحياة بسبب صراع السلطة الهمجي.
الواضح ان العمليات الوحشية في افغانستان والعراق والصومال هي عمليات اجرامية عندما تقوم جماعة بتدمير مصلحة حكومية أو تجمع بشري برئ وقتل دون تمييز لكل من فيها كما جرى مؤخرا في الصومال والمؤسف ان كل هذه العمليات الوحشية تنسب الى جماعات اسلامية.
لماذا هذا التوجه الوحشي في المنطقة الاسلامية ضد بعضها البعض ولمصلحة من هذا العنف المتواصل من بعض الجماعات الاسلامية بدلا من تحكيم العقل لحل مشاكل هذه الامة باعتبارها امة واحدة ذات رسالة خالدة ولماذا لا تسلك هذه الجماعات الاعتصامات السلمية التي اصبحت مثلا يحتذى به لدى المتظلمين في العالم.
ترى ما ذنب الذين كانوا متواجدين في وزارة التعليم الصومالية من الطلاب المراجعين للحصول على بعثات دراسية وغيرهم الذين تعرضوا للموت قبل أيام بسيارة مفخخة قتلت اكثرمن 70 مواطنا وجرحت ما يزيد على 150 وكلهم من الصوماليين الشباب ليس بينهم اي غريب أو عدو للشباب المجاهدين في الصومال وما هو المغنم الذي حصل عليه شباب المجاهدين من تلك المجزرة الاجرامية؟.
لماذا تلجأ كل الانظمة والجماعات الاسلامية في هذه الدول الى القتل بهذه الطرق الوحشية وفوق ذلك تتفاخر بالاعلان عن مسؤوليتها عن قتل تلك الضحايا البريئة بدلا من ان تقدم نفسها على أنها الافضل من خلال تقديم الاعمال الانسانية بعيدا عن الانتقامات الشريرة المتبادلة بين تلك الجماعات والانظمة الحاكمة في بلدانها.
بعد هذه التساؤلات يظل السؤال الحائر وهو متى تلجأ هذه الامة الى الاحتكام الى الشعوب كما هو حال العالم المتحضر ولماذا عندما تصل أية مجموعة من هذه الجماعات العربية والاسلامية الى السلطة تنكر وتتنكر لغيرها من بقية شعبها ليتحول الجميع في الوطن الواحد الى دوامة القتل الوحشي المتبادل؟

ان نظام الحكم في سورية ومنذ بداية حكم حافظ الاسد وبعده ابنه بشار كان وما يزال حكم جماعة الطائفية العلوية يعتبر الاول من نوعه في تاريخ الاستبداد البغيض هذا الحكم الذي يعتمد على القهر المطلق والذل المطلق لاي مواطن او مواطنة او حتى طفل في سورية ينطق أو يؤشر بالاشارة فقط الى نظام الحكم فان مصير مثل هذا المواطن فظيع ومدمر وذلك ما لاحظته بنفسي وتجرعت رعبه ومرارته من خلال احتكاكي مع البعض في السلطة السورية والمواطن السوري العادي في يوم ما.
ورغم معرفة العالم العربي والعالم الخارجي بما تقوم به السلطة السورية ضد مواطنيها وعلى الهواء مباشرة عبر القنوات الفضائية إلا ان النفاق الدولي كان اكثر انحرافا تجاه الشعب السوري عندما استخدمت الصين وروسيا حق الاعتراض تجاه قرار مجلس الامن الدولي الاخير الذي كان له اثره السلبي بما حمله من النفاق الصارخ تجاه الحقائق المرعبة التي تجري ضد الشعب السوري زمنا طويلا.
وفي الوقت الذي يشهد العالم التطور الحضاري الذي لم يشهده من قبل فان بعض دول هذا العالم تعمل بكل ما لديها من النفاق تجاه الاخر مقابل مصالح تعتبر تافهة مقارنة بما يجري في سورية ذلك النفاق المجرد من أي اخلاق أو ضمير يتناسب وتلك المصالح المشبوهة.

السبت، 15 يونيو 2013

قرية جامع ادلم بين الماضي والحاضر

هذه احدى قرى الريف العزيز الذي ظل شامخا وصامدا في وجه الظلم والجبروت هذه قرية جامع ادلم القرية المنسية التي طالها النسيان وقلبت صفحتها في تاريخ الريف بالخصوص وفي تاريخ المغرب على العموم ...هذه القبيلة من حيث الناحية الاستراتيجية تقع محاذية لنهر ورغة العظيم  أو مايعرف عند الجغرافين باسم الابن الغدار وسبب نعته بهذه الصفة أنه لما تهطل الأمطار ويرتفع منسوب مياهه فانه يهلك الزرع والعباد ويثور على والده وادي سبو.... المهم....ان هذا النهر يعتبر الشريان الأساسي للمنطقة ويعتبرأيضا  الحدود الجنوبية لمنطقة الريف الحرة ... واليوم تعيش هذه القبيلة  يتيمة ووحيدة بين جبالها ...وقد أعطت هذه القبيلة دروسا في التضحية  والاقدام فبايعت أمير الريف  وحاربت معه و صمدت وقاومت خونة الريف وخاصة القائد عمار بن احميدو المتيوي الغريب الذي حكم منطقة مرنيسة بقبضة من حديد ومارس جميع أنواع السخرة على سكان المنطقة ويعتبر سكان هذه القبيلة من أصعب الناس في منطقة الريف الى جانب أبناء عمومتهم الريفيين سكان الحسيمة والناظور فانهم  يتميزون بخاصية العناد ولا يقبلون بسهولة سلطة خارجة عن منطقتهم,, .. ومن تاريخ المنطقة  أنها كانت أحد معاقل المجاهدين أيام الحروب والمعارك فقد قامت بمقربة من القبيلة معركة راس الدار وهي التي شهدت على قوة وبأس الساكنة  ومعارك أخرى لم يذكرها التاريخ لا في كتبه ولا في أي شيء اللهم الروايات الشفاهية التي استسقيتها من أفواه شيوخ القبيلة. وهي معركة وادي العسري .....أما اليوم فتعيش عزلة واقصاء من طرف السلطة المركزية وتمارس عليها وعلى ساكنة مرنيسة كل أنواع الظلم فلا هناك مستشفيات ولا هناك ادارات ولا شيء يذكر  من هذا القبيل .....ولا ننسى انها تضم عائلات شريفة وعريقة نذكر بالخصوص بني فرتوت و آل المرابط الأدارسة العلويين و أل الغازي وآل العسري وأل الشرقي .....وقبورا لأولياء الله الصالحين كأمثال الولي الصالح سيدي عيسى المرابط والولي الصالح سيدي الطاهر ....وللحديث بقية .....

       الكاتب: مولاي عمر فرتوت

        في:15.06.2013

سجن قار بمكناس بين الغموض والحقيقة



هو ذلك السجن الذي بناه المولى إسماعيل ليزج فيه بمثيري الفتن ومعارضيه بصفة خاصة .. وهو سجن بني بالكامل تحت الأرض .. وقد بني على هيئة دهاليز مثل المتاهة.. فكل قاعة بها عدة ممرات وكل ممر يقود إلى قاعة أخرى بحيث انك إذا توغلت يصبح من الصعب جدا أن تعود من حيث أتيت .. يقال أن لا احد دخل هذا السجن و خرج حيا ..

مساحة السجن غير معروفه الى يومنا هذا ... هناك من يقول انه
بمساحة مدينة مكناس , وهناك من يقول انه يمتد إلى عشرات الكيلومترات تحت الأرض ..وهناك أيضا من يقول بأن مساحته تمتد من مدينة مكناس الى مدينة الرباط ويعتبرهذا السجن هو الوحيد في العالم لذي ليس له باب ! .. إذا كيف يدخل السجناء ؟
للسجن قاعة رئيسية بها فتحة في السقف كان يلقى منها السجناء ومنها كان يلقى لهم الطعام أيضا.. إذا السجن كان بمثابة سجن مؤبد وهناك رواية تقول إن السلطان جعل للسجن مخرجا واحدا في مكان ما من يجده فهو حر .......

قد يسأل سائل فيقول لماذا لا يتم استكشاف هذا السجن لتتجلى كل أسراره .. السبب ببساطة هو أن لا أحد يجرئ على ذلك .. ...هناك اعتقاد سائد يقول أن هذا السجن مسكون أو به لعنة ما .. فقد حاول العديد من المغامرين استكشافه ولكن كل من يدخله لا يعود...... وكانت أبرز محاولة لاستكشافه هي التي قام بها فريق من المستكشفين الفرنسيين في التسعينات.. قام هذا الفريق المحترف بجلب كل الأدوات والتجهيزات الحديثة لسبر أغوار حبس قارا....والنتيجة كانت مأساوية فقد اختفى الفريق ولا يزال مصيرهم مجهول إلى يومنا هذا .... بعد هذه الحادثة قامت السلطات بإغلاق الحبس بواسطة جدار إسمنتي وتركت قاعة واحدة فقط للسياح

الخميس، 13 يونيو 2013

حكاية زعيم الريف الذي لا قبر له في المغرب

لازال قبره هناك، لماذا؟ الجواب معقد ولا تعولوا على الوضوح، فأينما حل اللغز السياسي يستعصي فكه سياسيا أيضا. 
من جهة، العائلة لم تحسم في مكان دفنه في المغرب، والقصة تعود إلى سنوات كما سبق وأن أوضحت ابنته عائشة في حوار مع يومية "المساء":
 قالت إن الملك الراحل الحسن الثاني بعث بوفد إلى القاهرة عرض على أفراد عائلته اقتراح وضع الترتيبات لجنازة تليق بالرجل في المغرب، على أن يترك للعائلة اختيار مكان الدفن، وبما أن هناك أفراد من العائلة اعتبروا أن الأسباب التي كان يرفض بسببها الخطابي العودة إلى المغرب لازالت قائمة، فإن الخلاف حسم في طي صفحة دفن الخطابي في المغرب. فارق الملك الراحل الحسن الثاني الحياة، وفي سنة 2005 سيفتح الملف من جديد مع رياح العهد الجديد التي حملها وريث عهده الملك محمد السادس، ولم يكن فاتح الملف إلا الراحل بنزكري رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة، ومرة أخرى اختلفت الأصوات وتباينت اقتراحاتها بين قرار دفنه والحسم في مكانه، لاسيما أن للراحل عائلة منقسمة بين مصر والمغرب، وكان لابد من إستشارة الجميع، الشيء الذي أخذ الكثير من الوقت في نفس الآن الذي ارتفعت فيه العديد من الأصوات الحقوقية المطالبة بنقل قبره إلى المغرب، تكريما للرجل الذي واجه الاستعمار في أوقات حالكة من تاريخ المغرب، وإحقاقا للمصالحة التي طالب بها المجتمع المدني الحقوقي ونصت عليها هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها الختامي، فهل سيظل قبر محمد ابن عبد الكريم الخطابي بمصر ليقص شريط نصف قرن بعيدا عن وطنه؟
وبين الحسم في مبدإ اقامة جنازة رمزية للرجل وتحديد مكان الدفن، هناك من يعتقد أن الماسكين بالملف لم يستنفذوا كل المسالك بعد رحيل بنزكري، وأن نوعا من الفتور تسلل إلى الملف. فكيف تحول الخطابي إلى اسم مجرد ذكر قبره له أكثر من رمز ودلالة سياسيتين؟
عدو المستعمر
بدأت الحكاية قبل سنة 1921، ليست حرب أنوال هي التي صنعت محمد عبد الكريم الخطابي، عفوا، ليست هذه الحرب وحدها هي التي جعلت اسم الخطابي يبرز في الواجهة، ولكن الحكاية بدأت قبل ذلك بكثير، حينما حمل الأمانة من والده محمد في لحظة وداع شاركه تفاصيلها الحزينة أخوه أمحمد:"إذا لم تستطيعا الدفاع عن استقلال الريف وحقوقه فغادراه إلى مكان غيره".
لم يغادر محمد ابن عبد الكريم الخطابي المعروف أيضا بمولاي امحند الريف ولا غادره إلى مكان بعيد، وإنما جمع الأهل والأصحاب على الثورة على الاستعمار، حينما كانت إسبانيا بجنودها وسلاحها وجينرالاتها ترهب وترعب وتخيف وتقتل أيضا.
لم يرجع مولاي امحند إلى الوراء، لم يتراجع وإنما صعد إلى الجبل، إلى جبل "قاما" ، فكان اللقاء الأول مع رفاقه في مشوار الكفاح والثورة ضد المستعمر، لكن البداية نحو التغيير والثورة لم تكن سهلة، ولذلك تطلب رسم خارطة الطريق نحو الثورة أزيد من شهرين من النقاش بين الرفاق والثوار، ولذلك حينما انطلقت الثورة لم يستطيع أحد إيقافها، ولذلك بدأ سكان الريف يتوحدون أكثر، فكانت الحرب الأول التي جرت أطوارها في "دهار أبران" وهو مركز استراتيجي كانت تقيم فيه القوات الإسبانية: 300 ثائر أوقعوا بالاستعمار الإسباني الذي فقد حينها 400 جندي.
هكذا كانت البداية، وهكذا وصل رفاق محمد ابن عبد الكريم الخطابي إلى إسقاط الاستعمار الإسباني في معركة ثانية في منطقة "إغربين" في يوليوز الشهير من سنة 1921، وفيه أيضا سيسحق رجال الخطابي جنود إسبانيا في ملحمة أنوال المشهورة في التاريخ الكبير للمغاربة، على الرغم من أن المعادلة لم تكن متكافأة: 5000 ثائر في مواجهة   24 ألف جندي إسباني، لكن حصيلة الخسارات كانت ثقيلة في صفوف قوات الجارة الإسبانية: 15 ألف قتيل  وعلى رأسهم قائدهم "سلفستر" و570 أسير.
جمهورية الريف 
هنا ستعين القبائل الريفية محمد ابن عبد الكريم الخطابي أميرا عليها، وهنا سيشرع عبد الكريم الخطابي في تنظيم المنطقة بدقة، منذ هذا الانتصار أخذ ابن عبد الكريم الخطابي يرسم صورة الريف الجديد بعدما أُعلن الاستقلال وتشكل مجلس شعبي سمي الجمعية الوطنية عهد لها تنظيم شؤون المنطقة، وتشكلت الحكومة التي كان يرأسها أسد الريف.
ليست هذه مزحة وإلا ستصبح ثقيلة، ولكنها بعض من الحقائق التي جاءت في كتب وروايات مختلفة، ومنها أن محمد ابن عبد الكريم الخطابي أعلن تأسيس الجمهورية بتاريخ 18 شتنبر 1921، واختار أجدير عاصمة لها، وكان عدد سكانها يقدر بحوالي 18 ألف ريفي.
كان الأمير ابن عبد الكريم رئيسا للجمهورية الريفية إلى حدود شهر ماي 1926، وكان الأمير مسؤولا أمام الجمعية الوطنية، وللجمهورية ميثاق ومبادئ ومنها عدم الاعتراف بالحماية الفرنسية، وجلاء القوات الإسبانية الأراضي الريفية، والاعتراف بالاستقلال التام للدولة الريفية، وتشكيل حكومة جمهورية دستورية ... ومنها وزارة الخارجية ووزارة المالية ووزارة التجارة ... ووزارة الحربية التي كانت من اختصاص رئيس الجمهورية محمد عبد الكريم الخطابي الذي أشرف على تنظيم جيش بشكل دقيق بلغ عدد جنوده حوالي 130ألف جندي، بل إن الجمهورية كان لها علم وعملة وباخرة مسلحة شاركت في بعض المعارك... وكان لها اقتصادها وإدارتها وقضاؤها وتجارتها وصناعتها وزراعتها ... قبل أن يحل يوم 27 ماي 1926 والذي سيكون يوما تاريخيا في حياة الريف وفي حياة أسد الريف.
يوم 27 ماي 1926 ستسقط الجمهورية بعد الهجوم العسكري للقوات الفرنسية والإسبانية التي طوقت الريف من كل الجوانب والجهات بعدد من الجنود بلغ 500 ألف مقاتل استخدمت خلاله مختلف الأسلحة الكيماوية.
 
لكن، قبل أن تسقط الجمهورية المعلن عنها من طرف واحد، تمكن أسد الريف من دحر القوات الإسبانية في أكثر من مناسبة، مثلما حدث في يوليوز 1923 حينما سحق رجال الخطابي 1000 مقاتل إسباني بمنطقة درسة بالشاون، وهو الحدث الذي دفع بالإسبان إلى الجلوس على طاولة المفاوضات معه..
إنها المفاوضات التي كانت عسيرة ولم تنته بحل يرضي الطرفين، لأن الوفد الريفي تشبث بمبادئ الميثاق المشار إليه سلفا، ومنها الاعتراف باستقلال الريف، كما قضى ثوار الخطابي في يوليوز 1925 على الجيش الفرنسي التي خسرت حوالي 5700 جندي، منهم حوالي 1000 قتيل و3700 جريح وأزيد من ألف لم يعثر عليهم، وهو ما دفع الخارجية الفرنسية لطلب الدعم البريطاني فبدأ مسلسل اللقاءات التنسيقية بين فرنسا وإسبانيا بهدف قطع الطريق على الخطابي بشراء الأسلحة عبر مراقبة السواحل، قبل أن تفتح المفاوضات من جديد في مؤتمر وجدة بحضور وفد ريفي في يوليوز 1925، حيث اقترحت إسبانيا وفرنسا شروطا للصلح من خلال ضمان الحرية الاقتصادية للريف تحت سيادة سلطان المغرب، والاحتفاظ بكمية قليلة من السلاح ... لكن الوفد الريفي سيرفض هذه الشروط مادام أن الطرف الآخر رفض الاعتراف باستقلال الريف.
فشلت المفاوضات الديبلوماسية في المؤتمر الذي عقد بمدينة وجدة، وفتح المجال للتدخل العسكري، فعقد اللقاء الحربي بين إسبانيا وفرنسا والمغرب، فكانت البداية بسقوط جبل مسعود ثم الناظور ثم تركيست ... فالعاصمة أجدير بسبب الإنزال العسكري المكثف عبر الحسيمة التي استعملت خلالها الغازات السامة وأسلحة "النبال" ليل نهار ... مما تسبب في سقوط ضحايا وتمرد بعض القبائل... وسقوط الجمهورية.
سقطت الجمهورية الريفية، واعتقل محمد ابن عبد الكريم الخطابي، فنفي إلى جزيرة "لاريونيون" التي ظل بها إلى سنة 1947، قبل أن يستقر في مصر لاجئا سياسيا، إلى أن توفي بها في السادس من شهر فبراير 1963، وما يزال قبره بها إلى اليوم.
أربع سنوات بعد استقلال الجزائر تم نقل قبر المجاهد الأمير عبد القادر الذي دفن في دمشق، فهل يمكن أن يحظي الخطابي بنفس التكريم؟